لحظة الشمس في الخليج
تبني دول الخليج بعضًا من أكبر منشآت الطاقة الشمسية في العالم. فالمجمّعات الشمسية الشاسعة على أطراف دبي وأبوظبي، والمشروعات العملاقة المعلنة في أنحاء المملكة العربية السعودية، تشير إلى تحول مقصود: اقتصادات قامت على النفط والغاز تستثمر اليوم بقوة في الشمس. تملك المنطقة الأرض والإشعاع الشمسي ورأس المال، لكن ما تحتاجه على نحو متزايد هو الذكاء؛ لأن الطاقة المتجددة وفيرة لكنها غير ثابتة، والشبكة الكهربائية يجب أن توازن بين العرض والطلب في كل ثانية من اليوم.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي. فهو لا يولّد كيلوواط ساعة واحدًا، لكنه يقرر متى تتدفق الطاقة وإلى أين، وفي نظام يتغذى من مصادر تابعة للطقس يصبح هذا القرار هو كل شيء.
التنبؤ: تحويل أشعة الشمس إلى جدول
الإنتاج الشمسي في الخليج مرتفع على نحو موثوق، لكنه ليس قابلًا للتنبؤ بدقة تامة. فالعواصف الترابية والغبار العالق ورطوبة الصيف المرتفعة، وأحيانًا سحب عابرة، قد تخفض إنتاج مجمّع شمسي في دقائق. أما الرياح، التي يتنامى دورها في أجزاء من السعودية وعُمان، فتتقلب أكثر. ومشغّل الشبكة الذي لا يعرف ما تحمله الساعات القادمة يضطر إلى إبقاء توربينات غاز مكلفة تدور احتياطًا، وهو ما يُضعف الجدوى الاقتصادية والبيئية للطاقة المتجددة.
تجمع نماذج التنبؤ الذكية بين صور الأقمار الصناعية والتنبؤات الجوية العددية وكاميرات السماء في المحطة وسجل إنتاجها التاريخي، لتتوقع التوليد قبل ساعات أو أيام بدقة تفوق كثيرًا الأساليب التقليدية. والتنبؤ الجيد يتيح للمشغّلين جدولة المحطات التقليدية بإحكام أكبر، وتبادل الطاقة بثقة أعلى، وتقليص هامش الأمان المحتجز. وبعبارة عملية: تحسين التنبؤ من أرخص الطرق لرفع قيمة أسطول الطاقة المتجددة.
الشبكات الذكية وجانب الطلب
بُنيت الشبكات التقليدية لدفع الطاقة في اتجاه واحد من محطات كبيرة إلى مستهلكين سلبيين. أما الشبكة الحديثة فهي شبكة ثنائية الاتجاه تغذّيها بالبيانات ألواح الأسطح الشمسية والسيارات الكهربائية والبطاريات والعدادات الذكية. وإدارة هذا التعقيد يدويًا مستحيلة، وإدارته بالذكاء الاصطناعي تغدو أمرًا معتادًا.
وفي الخليج يهيمن التبريد على جانب الطلب. فتكييف الهواء يستأثر بحصة كبيرة من استهلاك الكهرباء في الصيف، ويبلغ الطلب ذروته في وقت متأخر من بعد الظهر حين يبدأ الإنتاج الشمسي في التراجع. وتستطيع إدارة الطلب المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبريد المباني مسبقًا حين تكون الطاقة الشمسية وفيرة، وتوزيع تشغيل المبرّدات الصناعية على فترات متعاقبة، وحثّ محطات تبريد المناطق على تحريك أحمالها ساعة أو ساعتين. كل تعديل صغير في ذاته، لكنها مجتمعةً على مستوى مدينة تُسطّح الذروة وتقلل الحاجة إلى التوليد الاحتياطي. كما تساعد بيانات العدادات الذكية شركات الكهرباء على اكتشاف الفاقد والأعطال والتعديات على الشبكة في وقت أبكر بكثير.
البطاريات واقتصاديات التخزين
التخزين هو القطعة الناقصة التي تحوّل شمس النهار إلى كهرباء المساء، وقد انخفضت تكلفة البطاريات بما يكفي لجعل المنشآت الكبيرة مجدية. غير أن البطارية المتروكة لقواعد بسيطة، تُشحن حين يرخص السعر وتُفرّغ حين يغلو، تترك جزءًا كبيرًا من قيمتها بلا استغلال وتشيخ أسرع مما ينبغي.
أما التحسين بالذكاء الاصطناعي فيقرر باستمرار كيف تُستخدم البطارية لتحقيق عدة أهداف في آن واحد: التقاط فائض الطاقة الشمسية، ودعم تردد الشبكة، وتجنب رسوم الذروة، والحد من التدهور الناتج عن الدورات العميقة أو السريعة. وينطبق المنطق نفسه على نطاق أصغر على نظام احتياطي في مصنع أو وحدة تخزين في مبنى تجاري. وفي كل حالة، البرمجيات لا الأجهزة هي التي تحدد ما إذا كان الاستثمار سيؤتي ثماره.
مسألة مراكز البيانات
في قلب هذه القصة مفارقة لافتة: فالذكاء الاصطناعي نفسه مستهلك متزايد للكهرباء. ومراكز البيانات التي تُبنى في الإمارات والسعودية لاستضافة الحوسبة السحابية وأحمال الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قدر كبير من الطاقة، وإلى قدر أكبر من التبريد. ولدى مشغّليها حوافز قوية لإقامتها قرب مصادر التوليد المتجدد، ولتشغيل الأحمال حين تكون الطاقة النظيفة أرخص، ولاستخدام الذكاء الاصطناعي في التحكم بأنظمة تبريدها. وقد بات عدد من كبار مشغّلي الحوسبة السحابية يستخدمون تعلم الآلة لإدارة تبريد مراكز البيانات، مع الإعلان عن خفض ملموس في الطاقة المصروفة عليه. وبالنسبة إلى الخليج، فإن اقتران مراكز البيانات الجديدة بقدرات شمسية جديدة توافق طبيعي.
كيف تبدأ شركة الكهرباء أو المؤسسة؟
بالنسبة إلى شركة الكهرباء، نقطة الدخول هي التنبؤ في الغالب. فالبيانات موجودة أصلًا في سجلات المحطات وبث الأرصاد، والمشروع الأول هو بناء نموذج تنبؤ أو اقتناؤه ثم قياس دقته مقارنة بالممارسة الحالية على مدى موسم واحد. والطبقة التالية هي إدارة الطلب، وتُجرَّب أولًا مع حفنة من كبار العملاء التجاريين قبل أي تعميم واسع.
أما المؤسسة التي تستهلك الطاقة ولا تنتجها فتسلك مسارًا مختلفًا:
- ركّب عدادات فرعية حتى يُرى الاستهلاك بحسب المبنى أو خط الإنتاج أو العملية، لا على الفاتورة الشهرية فقط.
- استخدم هذه البيانات لتحديد الأحمال التي يمكن تحريكها أو تقليصها دون المساس بالعمليات.
- قيّم الطاقة الشمسية والتخزين في الموقع بنموذج تحسين لا بجدول حسابي، حتى تعكس دراسة الجدوى أنماط التشغيل الحقيقية.
- حدد هدفًا واضحًا، مثل تكلفة الطاقة لكل وحدة منتجة، وأبلغ عنه شهريًا.
لقد قرر الخليج أن يبني قدرات التوليد. وسيكون العقد القادم عقد تشغيلها بذكاء، والمؤسسات التي تتعلم ذلك مبكرًا ستحوز ميزة باقية.

