سؤال النزاهة من زاوية جديدة
حين أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي في متناول الجميع، كان رد الفعل الأول في جامعات كثيرة دفاعيًّا: المنع، والكشف، والعقاب. وهو رد مفهوم، لكنه يقوم على أساس هش. فأدوات الكشف تُنتج نتائج إيجابية خاطئة تظلم الطالب الأمين، ونتائج سلبية خاطئة تكافئ غير الأمين. كما أنها تتعثر مع كتابة غير الناطقين بالإنجليزية ومع النصوص العربية، وهذا مهم في مؤسسات الخليج حيث يكتب الطلاب باللغتين.
النهج الأكثر صمودًا يبدأ من سؤال مختلف: ليس «كيف نضبط الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي؟» بل «ماذا نريد من طلابنا أن يقدروا عليه حقًّا، وكيف نتأكد من ذلك؟». هذا السؤال يقود إلى تصميم التقييم لا إلى المراقبة.
الإلمام بالذكاء الاصطناعي سمة للخريج
يتوقع أصحاب العمل في دبي والرياض وغيرهما أن يستخدم الخريجون أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومسؤولية. والجامعة التي تمنع هذه الأدوات في كل مقرر ترسل طلابها إلى سوق العمل غير مستعدين.
والإلمام بالذكاء الاصطناعي أكثر من معرفة كتابة الأوامر. إنه يشمل فهم كيف تُنتج النماذج النصوص، ولماذا تختلق المراجع، وكيف يتسرب التحيز إلى مخرجاتها، ومتى يكون الاستخدام مناسبًا، وكيف يُفصح عنه. ويشمل كذلك الحكم التخصصي لتقويم إجابة مولَّدة في القانون أو الطب أو الهندسة أو الدراسات الإسلامية، حيث قد يترتب على خطأ يبدو واثقًا أثر حقيقي.
والخطوة العملية أن يُعامل هذا الإلمام كما تُعامل الكتابة الأكاديمية: يُدرَّس مبكرًا، ويُعزَّز في كل كلية، ويُقيَّم. ولا يُستثنى من ذلك الأساتذة أنفسهم؛ فمن لم يجرّب الأدوات بنفسه لا يستطيع أن يرشد طلابه إلى حدودها.
إعادة تصميم الواجبات
المقال المنزلي في موضوع عام هو أكثر الواجبات انكشافًا أمام الذكاء الاصطناعي. وبدل التخلي عن المقالات، يستطيع الأستاذ أن يجعلها أصعب في الإسناد إلى الآلة وأعلى قيمة في الإنجاز. فالمناقشة الشفهية التي يشرح فيها الطالب عمله ويدافع عنه تختبر الفهم مباشرة، والكتابة داخل القاعة تحت الإشراف تبقى مفيدة للمهارات الأساسية، والواجبات المرتبطة ببيانات محلية أو حالة محددة أو زيارة ميدانية أو نقاش صفّي لا يستطيع نموذج لم يحضرها أن يجيب عنها.
ويطلب بعض الأساتذة اليوم من الطلاب استخدام الذكاء الاصطناعي علنًا: توليد مسودة، ثم نقدها وتصحيح أخطائها، وتسليم الاثنتين مع تأمل مكتوب. وهكذا تتحول الأداة إلى موضوع للدراسة، ويصبح تفكير الطالب نفسه ظاهرًا. كما أن تقسيم المشروع الكبير إلى مراحل تُسلَّم تباعًا، مع ملاحظات الأستاذ في كل مرحلة، يجعل مسار العمل نفسه جزءًا من التقييم.
وأيًّا كان التصميم، ينبغي أن تُذكر القاعدة في كل واجب على حدة: الذكاء الاصطناعي غير مسموح، أو مسموح مع الإفصاح، أو مطلوب. فالغموض هو المكان الذي تولد فيه قضايا المخالفات.
الذكاء الاصطناعي مساعدًا في البحث
لأعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا، يستطيع الذكاء الاصطناعي تسريع البحث في الأدبيات، وتلخيص الوثائق الطويلة، واقتراح الشيفرة البرمجية، وتنظيف البيانات، وتحسين مقروئية المسودة. وهذه مكاسب حقيقية، خاصة للباحثين الذين يكتبون بلغة ثانية.
والحدود حقيقية بالقدر نفسه. فالنماذج تختلق الاستشهادات، وتسيء نقل النتائج، ولا تستطيع الحكم على سلامة المنهج. لذلك يجب التحقق من كل مرجع في مصدره الأصلي، والتثبت من كل ادعاء، والإفصاح عن كل استخدام حيث تشترطه المجلة أو الجامعة. ولا ينبغي إدخال البيانات السرية، ومنها النتائج غير المنشورة والمعلومات الشخصية للمشاركين في البحث، في أدوات عامة. ويحسن بالجامعة أن توفر أدوات معتمدة داخل بيئتها الرقمية، حتى لا يضطر الباحثون إلى أدوات لا تضمن سرية ما يُدخل فيها.
وقد بدأت مؤسسات مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي والجامعات البحثية في المملكة العربية السعودية تُصدر إرشادات في هذا الاتجاه، وتستطيع المؤسسات الأصغر أن تتبناها بالتعديل بدل البدء من الصفر.
سياسة يلتزم بها الناس فعلًا
السياسة الجيدة قصيرة ومحددة ومتسقة بين الأقسام. تعرّف الاستخدامات المسموحة والممنوعة، وتشترط الإفصاح، وتبيّن كيف تُعالج حالات الاشتباه، وتحمي الطلاب من اتهام يقوم على درجة أداة كشف وحدها. وتُراجَع كل عام، لأن الأدوات تتغير أسرع من التقويم الأكاديمي. ويحسن أن تُترجم السياسة إلى أمثلة عملية من كل كلية، فالقاعدة المجردة تُفهم بطرق شتى.
والأهم أن تُكتب السياسة مع الطلاب لا لهم فقط. فالطالب الذي يشارك في صياغة القواعد يفهمها، ويكون أقرب إلى الدفاع عنها بين زملائه.
كيف تبدأ الجامعة؟
لا يلزم تحول شامل في الفصل الأول. ويمكن أن يكون التسلسل العملي كالآتي:
- تشكيل فريق عمل صغير من أعضاء هيئة التدريس والطلاب وتقنية المعلومات وعمادة القبول والتسجيل، بتكليف واضح وموعد محدد.
- نشر سياسة مؤقتة من صفحة واحدة ونموذج إفصاح لكل واجب خلال فصل دراسي واحد.
- تجربة تقييمات معاد تصميمها في خمسة إلى عشرة مقررات من كليات مختلفة، وجمع ملاحظات الأساتذة والطلاب.
- تقديم وحدة قصيرة في الإلمام بالذكاء الاصطناعي لجميع طلاب السنة الأولى، بالعربية والإنجليزية حيث يلزم.
- مراجعة النتائج، وتنقيح السياسة، وتوسيع ما نجح.
الجامعات التي ستزدهر ليست تلك التي تُبقي الذكاء الاصطناعي خارج أسوارها، بل التي تعلّم طلابها استخدامه بأمانة ومهارة وحسن تقدير.



